عن النثر والشعر ..والشعر
رابح التيجاني
أجهل الشعر أجهل النثر
أجهل الشعر ، أجهل النثر ، وأعرف الكتابة ،صبية عذراء أغشاها وتغشاني قبل أن تصبح مدام قصيدة أو السيدة مقالة، أعرف الكتابة قبل أن تذبح قربانا أمام أوثان الإستطيقا ، وإن كان مشروطا أل تعتبروا الشعر إلا إذا أرقصكم فثمة في الصدر أنغام الحزن الجنائزية دندنات الفرح، ثمة ما يكفي مقامات وإيقاعات تركبها النفس وتموج حدوا ، وإن كنتم تستلزمون القوافي هاكم لهاثي وأنفاسي تواترا وتقطعا ، محطات أشمخ جذبا وحرارة من تكرار الروي أو السبب الخفيف أو الوتد المجموع أو المفروق ، سألتني عن رأيي في قصيدة النثر ، رأيي الموضوعي ، وأدخل ذاتي وأخرج منها وأسألني وأسألكم كيف أكون موضوعيا ؟ أأتحدث عن مجلة " شعر " وما أتيح لي الإطلاع عليها ! أأستعرض ما علق بذاكرتي عن تثوير اللغة وزمن الشعر والشعراء أدونيس إنسي الحاج يوسف الخال ، طليعة شعراء لبنان ، أأتناول شهادات الماغوط تجاه زمن الرداءة وعلاقتها بالشعر ؟ أأتموقف إزاء إفرازات الشعر بتونس وأتناول ظاهرة إبداع " غير العمودي والحر "، أأخوض غمرة الشعر المغربي فأفاجئكم بأن مصطفى المسناوي في كتاباته القصصية شاعر وعبد الكريم برشيد في كتاباته المسرحية شاعر وأن عددا من الشعراء لاارتباط لهم بالشعر عموديا ومنثورا وحرا ؟ أأنطلق ابتداء من انتفاضات الشعر المعاصر وأعلج نازك من " الكوليرا " وصولا بها إلى الموت أو الحياة التي تكتنه قصيدة اليوم ؟ أأخرج بالسياب من تساؤله " هل كان حبا " وأنساب تدريجيا عبر متطلبات الواقع إبداعيا ؟ أأستند في جوابي تراثيا وأعانق ثورات الماضي وأستفسر ابن المعتز وأبا تمام والمتني والحمداني ونظراءهم ،أم أستفسر ابن الخطيب وكل وشاحي الأندلس والمغرب والتروبادور ؟ ؟ لن أفعل ولكني أسأل ما السر في كل هذه الضربات التي يتلقاها الخليل ، ولن أجيب فالخليل قد سقط فعلا أو لابد أن يسقط بشكل أو بآخر أو تسقط صنمية النظرة إليه ، وسيحتفظ له الشعر بفضل التأطير الإيقاعي لديوان العرب ، ذلكم التأطير الذي إن كان فيصلا بين فنون القول فإنه ليس معيارا للشعر ولا ضابطا لحدوده ومستوعبا لتطوره ،، وأنتقل عبر تساؤلي وأساير أراغون في سان ميشيل أو سان جيرمان ونجالس بعضنا في مقهى المنبع ونختلس الشعر من عيون إلزا فلا يكون إلا كما شاءت الكتابة ، كتابة أوتوماتيكية، تحتفي مقطعية اللغة الفرنسية وقوافيها ويكون الشعر،كيف يكون ؟ كذلك يكون، وأتابع سارتر في تفريقه بين الشعر والنثر ، الفشل والنجاح ،الرقص والمشي ،وبالرغم من كل التنظير يظل الشعر خارج القمقم دائما ، وأسأل ت س إليوت فيجيبني :" لم أستطع أبدا أن أحفظ أسماء التفعيلات والأوزان أو أن أقدم فروض الطاعة لقوانين العروض المعتمدة وليس معنى ذلك أنني أعتبر الدراسة التحليلية للأوزان والأشكال المجردة التي تختلف اختلافا بينا عندما يتناولها الشعراء المختلفون مضيعة للوقت ، وكل ما في الأمر أن دراسة تشريح أعضاء الجسم لايمكن أن تعلمنا كيف نجعل دجاجة تبيض "(1) ولو أن إليوت يستدرك بأن :" وراء أشد الشعر تحررا يجب أن يكمن شبح وزن بسيط إذا غفونا برز نحونا متوعدا وإذا صحونا اختفى حيث ان الحرية الحقيقية لاتظهر إلا إزاء قيود مصطنعة " (2)فإن أشعار إليوت نفسه وأرضه الخراب مترجمة حملت كل الشاعرية وهي خالية من الوزن والقافية ونبرية اللغة الإنجليزية.
لا أريد أن أستطرد وأستنطق إزراباوند أو كولردج أو بليك فإن بعض أشعارهم لم نقرأها إلا مترجمة منثورة ولقد ظلت في مجملها شعرا ، إن الشاعرية الحقة لاتعتمد موسيقاها العروضية اعتمادا ولعل هذا ما سمح بالعرف على شعر حقيقي يوناني أو تركي أو إسباني وعداه مترجما ومنثورا ، غير أن شعرنا العربي بطقوسه يحمل من الإيقاع والبيان والبديع أكثر مما يحمل شعرا ، وتلك سقطته التاريخية التي لابد أن يبدع المبدعون في إطار تجاوزها ، ولا أنفي ضرورة الإفادة منها إلى حد ما ، ولنتأمل إلى أية درجة يمسخ الفهم الموسيقي حقيقة الشعر بالمقارنة فقط بين بعض الترجمات العديدة لرباعيات الحيام ، لا أطيل وأساند تقريرا أورده غالي شكري في كتابه " شعرنا الحديث إلى أين " يقول :" إن إحلال كلمة النثر مكان الوزن لا تعبر إلا عن رد الفعل الذي يصنعه الشعراء ، فقصيدة النثر تقف في الطرف المقابل لما يدعونه بقصيدة النظم ، ولكن دعاة هذه القصيدة يلتقون في الواقع عند حدود المفهوم الكلاسيكي للشعر ، بمعنى آخر المفهوم الشكلي ، فليس النثر في قصيدة النثر هو الذي يمنحها قيمتها الفنية الجديدة ، وليس النظم في قصيدة النظم هو الذي منحها قيمتها الكلاسيكية القديمة ، وإنما هناك شيء آخر لا علاقة له بطريقة تركيب الكلمات نثرا ونظما هو الذي يخلق ما ندعوه بالشعر " (3) ولو أن غالي شكري يستطرد في هذا المقام ليشيد بالشعر العامي فإنه حقا أصاب المفصل وحدد مواصفات الشعر الجديد معمارية وأبعادا ، وإن كان الإبداع العامي باعتبار ثرائه وباعتبار العامة المقصود الأول بالإبداع ، ولضرورات الوحدة والقومية ، فإن القصيدة البديل تشمله عنصرا محققا للواقعية والجماهيرية ، إن المنظور الشعبي للأدب عامة يستلزم أصلا تحديد الشعب أولا ، أهو الشعب اللبناني ، الشعب المصري ، الشعب المغربي أو الشعب العربي ؟ أشك ولا أشك في انحرافية أدب العرب وسقوطه في الشوفينية ، ولكن هذا التنوع وبأصوله العامية بالإمكان استيعابه في إطار البناء الجديد للقصيدة الجديدة ومن أشكالها قصيدة النثر ، وبذلك يصبح مصدر إثراء وليس حدودا حاجزة .
البحث عن القصيدة الجديدة
دائما في إطار البحث عن القصيدة الجديدة قد يعتبر ما قيل عن إبداع العامة موقفا رجعيا ،، حقا إن ثقافة الطلائع المتنورة كانت عبر العصور رأسمال ممنوع على الآخرين ، رصيدا في الأدمغة ، رصيدا يتم استعراضه بأبهة وتقسيط وبرمجة على الدونيين ، تحاول فرضه مدعية الإرتباط بالجماهير المسحوقة ومعاداة الكبار في الوسائل والمضامين ، هذا في أحسن الأحوال إذ أن أغلب ما وصلنا عن مثقفي العصور العربية لايعكس إلا المدح على أعتاب السلاطين جهارا ، طبقيا يمنع المتنورون شيوع ثقافة الجماهير ، تلك الثقافة التي تعني إقصاءهم أنتلحنسيا وبورجوازية صغرى عامة ، كما نصطلح على التسمية حاليا ،وتحطيمهم في إحدى مدعمات أشكال الممارسة ، إن البورجوازية صغيرة وكبيرة ، ونترك الكبيرة لله ، أقول إنها تعتبر أشكال الثقافة الشعبية ومضامينها سطحية مسطحة مبتذلة وبالمقابل تعتبر الفئات الشعبية ثقافة المتنورين ثقافة قصور ومجالس وصالونات وعوالم خاصة ولو تناولت شؤون الشعب وقضاياه ومشاغله ، إذ هي ثقافة تتوسل في كل مناحيها وأدواتها لغتها الخصوصية وقيمها الخصوصية نظرتها الخصوصية ، إن مسألة شيوع الأدب محكومة باعتبارات استراتيجية لكل فئة أو صنف أو طبقة ، والبرجوازية تجد مجالها في الوسائل السلطوية للتبليغ وتفرض بذلك قيمها الإبداعية والجمالية ، وتظل الثقافة الشعبية دائما مسارحها الشوارع الدور الحوانيت في كل مكان ، خارج سوق عكاظ أو على هامش قصور العباسيين ، بطبيعة الحال هي ثقافة مرفوضة رسميا ولكنها ثقافة الأغلبية التي كان يجب أن تصلنا وما وصلت أو أنها وصلت إلى حد ما متنكرة في غمرة ضحكات جحا أو حدائق كليلة ودمنة وليالي ألف ليلة وليلة والمقامات وزجليات المجذوب وسير الخوارق والأساطير والتحليقات التصوفية ، ولو أننا فهمنا الشيء من ضده فإننا حقا ما نزال نعاني مشكلة التعرف على الثقافة الحقيقية من خلال الثقافات المزيفة وما يعتور ذلك من ملابسات ، ترفض الشعوب دائما أستاذية المسيطرين والموالين للمسيطرين وتصنع ثقافتها ، وبحكم السيطرة فالمعتقد أن تاريخ الأدب الذي قرأناه في المدرسة ما وصلنا إلا بحكم السيطرة ونحن لانملك إلا أن نقبله تاريخا ولكننا نرفضه إبداع الشعب العربي والأجيال ،من هذا المنطلق نتساءل ماذا حمل إلينا الشعر العربي ؟ وبطرح أدق ماذا حمل إلينا الرقص العربي ؟ إنه باستثناء الشعر الذي تضمن تجارب انسانية ومعاناة حقيقية لا نعثر إلا على البحور طويلة ومتداركة ومساحيق الجناس الطباق التورية التضمين الكناية الإستعارة وما يؤكد البراعة اللغوية ، تجربة المتنبي وطرفة بن العبد وعروة بن الورد وأبي فراس الحمداني أوصلت أصالتها وغيرهم قليل ، ولكن أمام الخضم الهائل للشعر العربي نخجل حقا إذ لا يكون رصيد العرب شعريا إلا أسماء معدودة من خلال ملايين الأبيات ، وماذا أجدتنا علوم بيانهم وبديعهم وإني لا أدعو إلى تركها بقدر ما أتلمس مشارف القصيدة الجديدة مستغلة البيان والبديع والعروض في الظرف المناسب بحيث لا يستمر إبداعنا إلى الأبد توشية وزخرفة وموسيقى ، إسقاطا لطموح ترفي لا غير ، يتمثل من داخل الخيام نقوش القصور ويسير على رمال الصحراء العائقة راقصا ، جماليات الشعر ، هذا الوثن الضال والمضلل ،كيف تحدد قاعدة وتم شيوعها ؟ أتساءل كيف تسمح الكلمات لنفسها بأن تغرق في الجماليات والموسيقى الراقصة لتعرض للمتلقي قمم الحزن مثلا ؟ إنها الخيانة ، خيانة المظاهر على مر العصور ، خيانة الطبقات الظاهرة الطافية على السطح الطبقات المستفيدة أو السائل لعابها ، إنني بكل ملتقى أكون أو أريد أن أكون مكتنها للكتابة وتكون ألغازا ، أحاورها وعندما تملكني أو أملكها أمسك زمامها ، تنطق بي وتتبعني منقادة كظلي ونمشي حيث نشاء معا ،أنا وهي ، ننثر الخطو إذ تجرنا متاهة ، نرقص إذ تدغدغنا ريح مرحة ،نقف انبهارا أو احتقارا أمام حائط حيطان نختفي نظهر ،وإذ ينتهي المطاف أراها وأرى فيها نفسي وغيري ، أرى كل المخلصين مثلي أرى الشعراء فيها .
متحفية اللغة لا تستهويني بقدر ما يستهويني تسكعها بالحالة التي شاءت أنيقة أو مهلهلة بين الدروب وفي أصقاع الوجدان والفكر والواقع ، وأنحني لها إذ تكون متناسبة مع المقام ، قبيحة إذ تعببر عن القبح ، جميلة إذ تعبر عن الجمال ، أميرة وصعلوكة ، لامعنى إطلاقا لأن يكتسي التعبير دائما قناعا تجميليا يقتات بهموم الجماهير ويجعل من مشاكلها فنا جميلا لا غير ،إن أكذوبة إثارة المشاعر والتأثير فيها بالكلام العذب المموسق لا يهضمها إلا الذوق الأرستقراطي الذي يحنط هذه الأعمال ويدرجها في إطار التحف الفنية ، أتساءل كيف يأتيك الناعي وهو شاعر يخبرك بموت فلان يقول لك ماااات فلان مااااات كان موته عظيما عظمة البحر موكب جنازته تظاهرة حاشدة غرق جثمانه بين الناس وذااابانتهى ،إنه تصوير يراعي أن يبلغ أمرا بوائل خائنة ، إن المحسنات البلاغية أفسدت علينا اللغة وما تحمله اللغة ، وماذا يهمني أنا من كل هذه الطقوس ؟ لو دعيت كإنسان يعاني حقا من موت هذا الفلان لصمتت أو بكيت أو قلت شيئا لست أدريه ولكنه هو ، إنه الشعر وهذا ما يجب أن نبحث عنه ، وليكن كيفما شاء موزونا أو منثورا ولكن إنه سيكون بكل إطلاقية الكلمة ، الشعر الشعر المفقود .
الفوارق والقواسم
لعلنا نتجاوز في حديثنا هذا فارق الشكل بين قديم الشعر وحديثه ، وأكيد ان الفارق ليس شكليا فحسب ، وقد أشار إلى ذلك غالي شكري ،إن المعيار التفريقي بين القديم والأنماط التجريبية الحديثة لا يمس الشكل دون المضمون وهذا ما يجعل الحديث عن قصيدة النثر متجاوزا للفوارق الشكلية وممتدا إلى جوهر الشعر عامة ، وإذا كان سارتر يقر بأن " اللغة الشعرية تنبجس فوق أنقا
المزيد